الشيخ عبد الغني النابلسي
207
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
فمن كان ذا فهم يشاهد ما قلنا * وإن لم يكن فهم فيأخذه عنّا فما ثمّ إلّا ما ذكرناه فاعتمد * عليه وكن بالحال فيه كما كنّا فمنه إلينا ما تلونا عليكم * ومنّا إليكم ما وهبناكم منّا والسابق على الشيء متقدم عليه فإذا لحقه ، أي لحق ذلك السابق هذا الشيء الذي حكم عليه ، أي على السابق بكونه سابقا المتأخر عنه حكم عليه ، أي على ذلك المتأخر المسبوق وذلك المتقدم السابق فالرحمة ما سبقت الغضب إلا لما كانت متقدمة عليه ، فإذا لحقها الغضب الذي حكم عليها بالسبق إذ لولا تأخره عنها ما كانت سابقة عليه فقد حكمت الرحمة عليه بتأخره عنها فنالته ، أي الغضب الإلهي الرحمة الإلهية إذ ، أي لأنه لم يكن غيرها ، أي غير الرحمة سبق على الغضب حتى يناله ، فإذا نالته الرحمة أحالته نوعا منها مع بقائه على حكمه ومقتضاه ، كالميتة إذا وقعت في المملحة فصارت ملحا كانت المملحة سابقة على تلك الميتة وكل سابق متقدم ، فإذا ألقيت تلك الميتة المتأخرة عن وجود المملحة في المملحة لم تزل المملحة متقدمة في الحكم ، فغلبت على أجزاء تلك الميتة فأحالتها ملحا مثلها وبقيت صورة الميتة على حالها ، فيقال فيها : ميتة حمار أو جمل أو طير ونحو ذلك . وفي نفس الأمر الكل ملح . فهذا معنى أنه تعالى سبقت رحمته غضبه كما ورد في الحديث لتحكم ، أي الرحمة على من وصل إليها ممن هو آيل وراجع إليها لتأخره عنها بإدراك الغضب له ثم لا يزال يسير به الغضب خلف الرحمة حتى يصل إلى الرحمة فإنها ، أي الرحمة في الغاية التي إليها السير من الجميع كما قال تعالى : وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ [ هود : 123 ] وقفت إذ هي رحمة اللّه تعالى ظهرت منه بظهور أمره ، فتوجهت على إيجاد كل شيء ، ثم تنوّعت أنواعا منها : نوع الغضب فساق هذا النوع منها المسمى بالغضب قوما بمخالفاتهم ومعاصيهم إليه تعالى لقيامهم بأمره من حيث لا يشعرون ، فلما رجع أمره إليه رجعوا هم أيضا إليه بحكم وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ وحكم وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ فوجدوا الرحمة سبقتهم إليه ، لأنه غايتها فوقعوا فيها فوسعتهم ، فمنها كان ابتداؤهم وإليها كان مرجعهم وانتهاؤهم . والكل ، أي كل شيء سالك مع الأنفاس إذ هو في خلق جديد كما مر إلى الغاية التي هي مستقر الرحمة وهي حضرة الحق تعالى فلا بد من الوصول إليها ، أي الغاية فلا بد من الوصول إلى الرحمة الإلهية ومن مفارقة غلبة حكم الغضب الإلهي في كل سالك إذ بالوصول إليها يستحيل الغضب رحمة كما ذكرنا فيكون الحكم لها ، أي الرحمة في كل سالك واصل إليها لكن حكما خاصا